أكّد المفكّر السوداني، والشيخ الصوفي، النيّل عبد القادر أبو قرون أنّ المذهبية من أسباب تفتيت المسلمين، كما أنّ التعصب لها يؤدّي إلى العنف، وإقصاء الآخر، وهذا مخالف للحرية الفكرية والدينية، التي جاء بها الإسلام في محكم قوله تعالى: (قل الحقّ من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) [الكهف: 29]، وقوله تعالى: (لا إكراه في الدين) [البقرة: 256].
وبيّن الشيخ أبو قرون، المقيم في الأردن، في حوارٍ أُجرِيَ معه في عمّان، أنّه مع حرية الفكر، رافضاً التعصّب لمخالفته صالح الأخلاق، التي هي الدين، الذي بُعِث به رسول الله صلى الله عليه وسلم، مشدّداً على أنّ الفكر "يُقارَع بالفكر، ولكلّ إنسان الحقّ في ما يعتقده، ولا يحاسبه عليه أحد إلا الله، ولا يجوز لأحد أن يأخذ الوكالة عن الله".
ونبّه المفكر إلى أنّ "الفهم الخاطئ" للحكم في الإسلام هو الذي أدّى إلى ترجمة المقصود من الدين إلى الفهم السياسي فحسب، وقداسة الحاكم التي "لا أصل لها في الشرع".
وأوضح أنّه لم يُؤثَر عن أحد الرسل أنّه كان حاكماً، باستثناء سليمان وداود عليهما السلام، وهذه تفيد إمكان قيام دولة سواء تقيّدت أم لم تتقيد بحكم الشرع؛ أي أنّ الحكم الإلهي هو الشرع والقانون، الذي ينتج مجتمعاً فاضلاً، وهو رسالة جميع الرسل صلوات الله عليهم، ولا يتعارض مع وجود دولة سواء حكمت به أم لم تحكم به.
وشدّد أبو قرون على أنّ التنافس على السلطة هو الذي أبعد الناس عن حقيقة الإسلام، لافتاً إلى أنّ كلّ الفرق الإسلامية تنظر إلى الإسلام من منطلق سياسي، وتسعى لفرض دولة إسلامية، بينما الإسلام ليس دولة تحدّها حدود جغرافية، أو أمراً تختصّ به حكومة ذات وزراء، ورئيس وزراء، منوهاً إلى أنّه لا ينبغي لأيّ حكومة أن تصف نفسها بأنّها دينية، فالدين لا حدود له، ولا إجبار لأحد على الدخول فيه، ولأنّه أفضل شيء للإنسانية، وقيام المجتمع الصالح، فإنه لا يحتاج إلى إكراه الناس عليه، فالأفضل جاذب بطبعه، عندما تُعرف حقيقته.
وأكّد الشيخ أنّه لا علاقة للدين بالدولة، ولا توجد في رسالات الأنبياء - عليهم صلوات الله - حكومة وصية على الناس لإجبارهم على نهجٍ، أو مذهب معين. أمّا وجود دولة، فلا بدّ منه لتدبير شؤون الناس في مجتمعهم، في ما يخص التعليم، والصحة، والأمن، والتجارة، والزراعة، وحركة المرور والاتصالات، وغيرها من شؤون الحياة، وهي تقوم على ما يرتضيه الناس في أسلوب اختيارها، وفيما يرتضونه من الشرائع.
وقال الشيخ أبو قرون: "ليس لفهمٍ قدسية"، إنّما القدسية للنص القرآني، والفهم يختلف من شخص إلى آخر، وقد يدخر الله للمتأخرين ما لم يكن للسابقين، فالله - سبحانه - الوهاب الجواد موجود، ولم تقتصر رحمته على السلف، ولم ينضب ما عنده من مددٍ، فالاقتصار على ما كان عليه السلف فحسب "تحجير على الله ورحمته، وهو كفر بنعمة الله".
ودعا المفكر إلى مراجعة الموروث، وذلك من خلال تفسير القرآن على محبوبية الله لرسوله لا على مفهومية القهر، والاعتقاد الصحيح في النبي أنّه في قمّة الإنسانية، ونفي كلّ ما يشير إلى انتقاص في ذاته الشريفة، وصفاته، وعلمه، فضلاً عن رفع القدسية عن فهم السابقين، وأن يعلم الإنسان أنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - كانت بعثته للأخلاق، كما قال عليه السلام: "إنما بُعِثْتُ لأتمّم صالح الأخلاق".
وتابع الشيخ أنّ الرحمة والفيض الإلهي لم يتوقّفا عند السلف، وما عند الله لم ولن ينفد، إلى جانب أنّ مَن يظنّ أنّه عالم فهو الجاهل، فالإنسان طالب علم من المهد إلى اللحد، فلا يتباهى أحد بعلمه، ولا يكتفي بما عنده، فيحرم، بذلك، نفسه من علم لم يبلغه، ولا يدخل نفسه في قوله تعالى: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) [يونس: 39].
وأشار أبو قرون إلى أنّ المصادر الإسلامية فيها الغثّ والسمين، واعتاد الناس أن يأخذوا من المصادر دون تمحيص. والخروج من هذه الفتنة - في رأيه - يكون بالتبصّر بالمنهج الإسلامي الصحيح، الذي جاء بالحرية التامّة، وقبول الآخر، والاعتراف بصحّة الأديان السابقة، ووجوب الإيمان بها، وبأنّ الإسلام جاء موضحاً لها، وليس لاغياً.
وفسّر الشيخ ظهور الحركات المتطرّفة بأخذ بعضهم من الشريعة نصوصاً «ضعيفة»، وتفسيراً «محدوداً»، وعملوا عليها بفهم قاصر، فكان النتاج ما اتخذته بعض الحركات الإسلامية منهجاً بعيداً عن روح الإسلام وحقيقته.
وشدّد أبو قرون على أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - "لم يحارب قطّ لفرض الإسلام"، منوّهاً إلى أنّ حروبه مع اليهود كانت «دفاعية»، ولم يأمر أحداً بترك دينه أو الدخول في الإسلام؛ لأنّ الإسلام جاء «مصدقاً، لا لاغياً» للديانات السابقة، وحتى كفار مكة حين فتحها لم يفرض عليهم الإسلام؛ بل حتى لم يقل لهم: قولوا لا إله إلا الله، مما يبطل صحة حديث "أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله". فلو كان أمرَ بذلك، لقال لهم: قولوا لا إله إلا الله، بدل اذهبوا فأنتم الطلقاء. وبما أنّه لا إكراهَ في الدين، فلا يوجد مبرّر لحروب الدول لإدخالها وإجبارها على الإسلام، والله لم يأمر بذلك (إنه لا يحب المعتدين) [الأعراف: 55].
يذكر أنّ الشيخ النيّل عبد القادر أبو قرون مفكّر سوداني، تربّى في بيت علم وتصوّف في السودان. درس القانون في جامعة الخرطوم، وكان أوّل أعضاء اللجنة الثلاثية، التي قامت بصياغة قوانين الشريعة الإسلامية، في عهد الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري، وتولى وزارة الشؤون القانونية آنذاك، وهو عضو في هيئة علماء السودان، وعضو المجلس الأعلى للدعوة. تعرض لمحن ومضايقات، والعديد من المحاكمات لآرائه الجريئة، ومقارباته الفكرية، وأطروحاته المغايرة للسائد، فضلاً عن منع معظم كتبه في عدد من البلاد.
أصدر مجموعة من المؤلفات؛ منها: مراجعات في الفكر الإسلامي، الإسلام والدولة، شفاء الذمم من اتهامات المسلمين للنبي الأعظم، في رحاب الرسالة، نبي من بلاد السودان، كلية الإنسان، بوراق الحب، وهو شعر في المدح النبوي.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.