الاتِّهَامُ بِعَدَمِ المَرْجَعِيَّةِ في الرِّسَالَة
من كتاب (شفاء الذِّمم من إتهامات المُسلمين للنبِّي الأعظَم)
إذَا آمَنَّا بِاللهِ جَلَّ جَلَالُهُ فَذَلِكَ يَعْنِي أنَّنَا قَد صَدَّقْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ, وأنَّ اللهَ تَعَالَى أوْحَى إلَيهِ هَذَا القُرْآنَ الَّذِي هُو كَلَامُ اللهِ القَدِيمِ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِن بَينِ يَدَيْهِ ولَا مِن خَلْفِهِ. ونَجِدُ أنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ قَد أحَالَنَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ فَقَالَ تَعَالَى ( ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنهُ فَانْتَهُوا ) ( سُورَةِ الحَشْرِ الآية 7 ) ولَمْ يَقُلْ " مَا آتَيْتُكُمْ فَخُذُوهُ " وقَالَ تَعَالَى ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَن أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أو يُصِيبَهُمْ عُذَابٌ ألِيمٌ ) ( سُورَةِ النُّور الآية 63 ) لِتُصْبِحَ مُخَالَفَتُهُ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ مَقْرُونَةً بِالمَصَائِبِ والفِتَنِ والعَذَابِ الألِيمِ ذَلِكَ لِأنَّهُ جَعَلَ طَاعَتَهُ طَاعَتَهُ حَيثُ قَالَ تَعَالَى ( مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أطَاعَ اللهَ ) ( سُورَةِ النِّسَاء الآية 80 ) وبِذَلِكَ أصْبَحَتْ الأُمَّةُ كُلَّهَا مُحَالَةٌ مِن اللهِ إلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ لِاتِّبَاعِهِ وطَاعَتَهِ والأخْذِ عَنهُ ووُجُوبِ عَدَمِ مُخَالَفَتِهِ لِأنَّ مَعْصِيَتَهُ مَعْصِيَةُ الله. وبِهَذَا تَكُونُ المَرْجِعِيَّةُ لِلمُسْلِمِينَ هِي الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ فِي الدُّنْيَا وكَذَلِكَ فِي الآخِرَةِ حَيثُ جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى الأمْرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ دُونَ بَقِيَّةِ الرُّسُلِ. فَهوَ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيهِ أمْرُ الخَلَائِقِ لِيَشْفَعَ لَهُم عِندَ اللهِ سُبْحَانَهُ بِشَفَاعَتِهِ الكُبْرَى لِيَقْضِيَ بَيْنَهُم كَمَا يَنْتَهِي إلَيهِ أمْرُ أهْلِ الكَبَائِرِ مِن أُمَّتِهِ بِشَفَاعَتِهِ الخَاصَّةِ لِيَحُولَ بَينَهُم وبَينَ النَّارِ ويُدْخِلَهُم الجَنَّة. فَرَفَعَ اللهُ ذِكْرَهُ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ قَالَ تَعَالَى ( ورَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكْ ) ( سُورَةِ الشَّرْح الآية 4 ) ووَعَدَ بِقُبُولِ كُلِّ مَن يَأْتِيهِ جَلَّ جَلَالُهُ عَن طَرِيقِ النَّبِيِّ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ. فَهوَ حَبِيبُهُ الأعْظَمُ الخَاتِمُ السَّابِقُ الَّذِي لَيسَ لَهُ مِن الأمْرِ شَيْءٌ إذْ كُلُّ أمْرِهِ أمْرُ اللهِ فِي رَمْيِهِ وفِي كَلَامِهِ فَإنَّهُ ( ومَا يَنْطِقُ عَن الهَوَى ) ( سُورَةِ النَّجْم الآية 3 ) وأخَذَ اللهُ العَهْدَ عَلَى كُلِّ رُسُلِهِ لِيُؤْمِنُوا بِهِ ويَنْصُرُوهُ ( وإذْ أخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِن كِتَابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أأقْرَرْتُم وأخَذْتُم عَلَى ذَلِكُم إصْرِي قَالُوا أقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وأنَا مَعَكُم مِن الشَّاهِدِينَ ) ( سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ الآية 81 ) وأمَرَ الَّذِينَ آمَنُوا لِيُعَزِّرُوهُ ويَنْصُرُوهُ ويُوَقِّرُوهُ قَالَ تَعَالَى ( لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلَاً ) ( سُورَةِ الفَتْح الآية 9 ). ولا أدْرِي كَيفَ بَعدَ كُلِّ هَذَا صَحَّ لِبَعْضِهِمْ التَّجَرُّؤُ فِي الكَلَامِ عَنهُ نَاقِدِينَ ومُنْتَقِصِينَ لِقَدْرِهِ الشَّرِيفِ فِي السُّلُوكِ والعِلْمِ والعَمَلِ؟ ولَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا مِمَّنْ يَدَّعُونَ الكَمَالَ أكْثَرَ مِنهُ في العِلْمِ والأخْذِ عَن اللهِ مُبَاشَرَةً لا عَنْهُ حَتَّى يَصِحَّ لَهُم مَا يَقُولُونَ فِيهِ, فَنَسَبُوا إلَيهِ العُبُوسَ فِي وَجْهِ السَّائِلِ وهو الَّذِي بُعِثَ لِيُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأخْلَاقِ!!! ونَسَبُوا إلَيهِ عَدَمَ العِلْمَ بِأُمُورِ الدُّنْيَا, وهُو الَّذِي بُعِثَ مُعَلِّمَاً!! ونَسَبُوا إلَيهِ نَقْصَ العِلْمِ فِي تَدْبِيرِ مَوقِعِ الجَيشِ فِي الحَربِ, وهُو الَّذِي كَانَ يَعْلَمُ بِالتَّحْدِيدِ أينَ مَصَارِعُ القَومِ فِي تِلْكَ المَعرَكَةِ وكَانَت كَمَا قَالْ!!!.
فِدَاكَ نَفْسِي ووَلَدِي وأبِي وأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ فَمَا أُوذِيَ نَبِيٌّ مِن أُمَّتِهِ مِثْلَمَا أُوذِيتْ. وتَحدِيدُ أمَاكِنِ مَصَارِعِ القَومِ كَانَ قَبْلَ بِدَايَةِ المَعرَكَةِ بِالتَّحْدِيدِ فَكَيفَ يَعْجَزُ مَن يَستَطِيعُ مَعرِفَةَ أمَاكِنِ القَتْلَى عَن تَحدِيدِ المَكَانِ الصَّالِحِ لِلجَيشْ؟.
يَقُولُ بَعضُهُم إنَّ المَرجِعِيَّةَ هِي القُرآن. ولَكِنَّ الَّذِي يَقُولُ بِذَلِكَ يَعنِي نَفْسَهُ أنَّهُ هُو المَرجِعِيَّةُ أو أنَّ مَن يَأْخُذْ عَنهُ مِن المُفَسِّرِينَ هُو المَرجِعِيَّةُ ولَكِن لَا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقِفَ فِي مَرجِعِيَّتِهِ عِندَ القُرآنِ لِأنَّ القُرآنَ أحَالَ المَرجِعِيَّةَ إلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ قَالَ تَعَالَى ( ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُم عَنهُ فَانْتَهُوا ). فَالَّذِي يَقِفُ فِي مَرجِعِيَّتِهِ عِندَ القُرآنِ يُرِيدُ أنْ تَكُونَ المَرجِعِيَّةُ لِغَيرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ, أيْ لِكُلِّ مَن يَدَّعِيهَا مِن أدْعِيَاءِ العِلمِ والتَّفْسِير! لِأنَّ القُرْآنَ يُفَسِّرُهُ كُلُّ ذِي عَقْلٍ قَدْرَ وُسْعِ عَقْلِهِ ولَا يَكُونُ فِيمَا اجْتَهَدَ وأبَانَ وشَرَحَ قَد اسْتَقْصَى التَّفْسِيرَ لِأنَّهُ كَلَامُ اللهِ الَّذِي لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ ولَا تَنْتَهِي غَرَائِبُهُ ولَا يُحَاطُ بِهِ. وكُلُّ مَن كَانَ هَذَا مَنْهَجَهُ فَقَد سَقَطَ مِن عِلْمِهِ قَولَ اللهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى ( وأنْزَلْنَا إلَيكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيهِمْ ولَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونْ ) ( سُورَةِ النَّحلِ الآية 44 ) ووَضَعَ نَفْسَهُ فِي مَكَانَةِ النَّبِيِّ لِيُبَيِّنَ هُو لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ مِن القُرآنِ!!!.
وكُلُّ النَّاسِ فِي التَّعَلُّمِ مِن القُرآنِ مُحتَاجِينَ لِلمُعَلِّمِ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ لِيُبَيِّنَهُ لَهُم. فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى ( ارْكَعُوا واسْجُدُوا ) ( سُورَةِ الحِجْر الآية 77 ) وهُو أمْرٌ صَرِيحٌ بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ ولُغَةٌ واضِحَةٌ وصَرِيحَةٌ ولَا يَظُنُّ أحَدٌ أنَّ فِيهَا مَا يَحْتَاجُ إلَى شَرْحٍ أو تَبْيِيْنٍ مِن المُعَلِّمِ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ, ولَكِنَّ المُعَلِّمَ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ حِينَمَا بَيَّنَهَا لِلنَّاسِ رَفَعَ مِن الرُّكُوعِ حَتَّى اسْتَقَامَ ثُمَّ خَرَّ سَاجِدَاً!! فَمَا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَتَجَرَّأ بِفَهْمِهِ هُو لِلقُرْآنِ وأخْذِهِ مِنهُ مُبَاشَرَةً دُونَ النَّبِيِّ ثُمَّ يَتَطَاولُ بِهَذَا الفَهْمِ القَاصِرِ بِالحُكْمِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ بِمَا لَا يُنَاسِبُ الكَمَالَ المُحَمَّدِيَّ فِي العِلْمِ والسُّلُوكِ والعَمَلِ! فَيَقُولُ مَن ضَلَّ ومَن جَهِلَ: النَّبِيُّ بَشَرٌ مِثْلِي ومِثْلُكَ, لِفَهْمِهِ مِن كَلَامِ اللهِ تَعَالَى ( قُل إنَّمَا أنَا بَشَرٌ مِثلُكُم ) ( سُورَةِ الكَهْفِ الآية 110 ) قَدْرَ وُسْعِ عَقْلِهِ ولَم يَلْتَفِتْ لِقَولِ الحَبِيبِ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ فِي هَذَا المَعنَى " إنِّي لَسْتُ كَأحَدِكُمْ إنِّي أظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي ويَسْقِينِي " ( مُسنَدُ أحْمَدِ بنِ حَنْبَل )!! فَلَولَم يُكَابِر ويُسَارِع بِهَذِهِ الفَتْوَى الكَرِيهَةِ الَّتِي يَخرُجُ بِهَا لِنَفْيِ العِصْمَةِ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ لَعَلِمَ أنَّ النَّبِيَّ لَم يَكُن لَهُ ظِلٌّ, وكَانَ يَرَى مِن خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِن أمَامِهِ, وكَانَ تَنَامُ عَيْنَاهُ ولَا يَنَامُ قَلبُهُ, وكَانَ يَدعُو الشَّجَرَةَ فَتُلَبِّي وتَجِيْءُ تَشِقُّ الأرْضَ, ويَسْألُ الضَّبَّ فَيَشهَدُ لَهُ بِالرِّسَالَةِ, ويُسَلِّمُ عَلَيهِ الحَجَرُ, ويَشْكُو لَهُ البَعِيرُ, ويَبْكِي عِندَهُ الجِذْعُ, ويَحِنُّ حَنِينَ النُّوقِ, لِأنَّهُ اتَّخَذَ مِنْبَرَاً صَعَدَ عَلَيهِ وتَرَكَ الصُّعُودَ عَلَى ذَلِكَ الجِذْعِ, حَتَّى نَزَلَ الحَبِيبُ ومَسَّ عَلَيهِ. ووَعَدَ سُرَاقَةَ بِأسَاوِرَ كِسْرَى وهُو أمْرٌ تَمَّ بَعدَ نَيْفٍ وعِشْرِينَ سَنَةٍ, وهَذَا يَعْنِي أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ كَانَ يَعْلَمُ كَم عُمُرُ سُرَاقَةَ, وأنَّهُ لَن يَمُوتَ بَل سَيَعِيشُ كُلَّ هَذِهِ السِّنِينَ حَتَّى يَحْضُرَ هَزِيمَةَ كِسْرَى وتَؤُولُ إلَيهِ أسَاوِرُهُ!!!.
أعْظِم بِهِ مِن عِلْمٍ وأعْظِم بِهِ مِن مُعَلِّمٍ جَهِلَهُ قَومَهُ وأُوذِيَ مَا لَمْ يُؤْذَ نَبِيٌّ مِن الأنْبِيَاء!! فَكُلُّ مُفَسِّرٍ يَقُولُ إنَّ المَرجِعِيَّةَ هِي القُرآنَ فَإنَّهُ يَقِفُ عِندَ تَفْسِيرِهِ هُو الَّذِي يَنْتَهِي إلَيهِ عِلمُهُ ومَعرِفَتُهُ, وهِي مَرجِعِيَّتُهُ فَلَمْ يَتَعَدَّ نَفْسَهُ أيْ أنَّهُ هُو بِفَهْمِهِ لِلقُرْآنِ أصْبَحَ هو المَرجِعِيَّةَ كَمَا يَرَى ويَفْهَم هُو مِن القُرْآن!!! ويَكُونُ بِذَلِكَ كُلُّ عَالِمٍ أو صَاحِبِ مَذْهَبٍ هو مَرْجِعِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهَا ويَظُنُّ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَتَكَلَّمَ عَن النَّبِيِّ وعِصمَتِهِ مِن رُؤْيَتِهِ هُو وفَهمِهِ وتَكُونُ المَرجِعِيَّةُ مُتَعَدِّدَةٌ بِتَعَدُّدِ العُلَمَاءِ وأصْحَابِ المَذَاهِب!!.
ولِهَذَا لَم تَجْتَمِع كَلِمَةُ الَّذِينَ آمَنُوا وتَعَدَّدَتْ مَذَاهِبُهُم فِي دِينِهِم وتَعَدَّدَتْ آرَاؤُهُم فِي نَبِيِّهِم واخْتَلَفَتْ مَفَاهِيمُهُمْ فِي رَبَّانِيَّتِهِ. وأصْبَحَ الَّذِي بُعِثَ مُعَلِّمَاً لِكُلِّ النَّاسِ مَحَلَّاً لِلْنَّقْدِ فِي تَعلِيمِهِ مِن قِبَلِ المُفْتَرَضِ فِيهِم أنْ يَكُونُوا آخِذِينَ ومُتَلَقِّينَ عَنهُ بِأدَبِ التِّلْمِيذِ المُحتَاجِ لِلعِلْمِ مِن سَيِّدِ العُلَمَاءِ وسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ المُحتَاجِينَ لِعِلمِهِ فِي الدُّنْيَا وإلَى شَفَاعَتِهِ فِي الآخِرَة!!! وأصْبَحَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ مَجَالَاً لِاخْتِلَافِ الآرَاءِ فِيهِ وفِي عِصْمَتِهِ بَلْ والحُكْمِ عَلَى مَوَاقِفِهِ ومُقَارَنَتِهَا بِمَواقِفِ أُنَاسٍ عَادِيِّيْنَ مِن اتْبَاعِهِ وأُمَّتِهِ! ورُبَّمَا حُكِمَ عَلَيهِ بِعَدَمِ الإصَابَةِ فِي الرَّأْيِ وصُوِّبَ غَيرَهُ كَمَا قَالُوا فِي قِصَّةِ أُسَارَى بَدْرٍ! ورُبَّمَا حُكِمَ عَلَيهِ بِالْخَطَأِ فِي السُّلُوكِ فِي أدَاءِ الرِّسَالَةِ الَّتِي جَاءَتْ لِتُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأخْلَاقِ. فَيَقُولُونَ إنَّهُ أبْدَى فِي رِسَالَتِهِ, الَّتِي بُعِثَ بِهَا, مَسَاوِئُ الأخْلَاقِ كَالعُبُوسِ فِي وَجْهِ الفَقِيرِ الأعْمَى الَّذِي جَاءَ لِيَتَعَلَّمَ مَكَارِمَ الأخْلَاقِ فَقَابَلَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ بِالصُّدُودِ عَنهُ والعُبُوسِ فِي وَجْهِهِ! فَتَصَرَّفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ – كَمَا يَقُولُونَ فِي عَقِيدَتِهِم – بِعَكْسِ مَا بُعِثَ بِهِ!!! لِأنَّهُم يَعْتَقِدُونَ فِي أحَادِيثَ تُوحِي إلَيهِمْ بِذَلِكَ فَقَد جَاءَ فِي مُسنَدِ أحْمَد: " عَن أبِي هُرَيرَةَ قَالَ ثُمَّ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ يَهْجُرْ ( أيْ يُهَذْرِبْ بِكَلَامٍ لَا مَعْنَى لَهُ ) قَالَ فَصَلَّيْتُ ثُمَّ جِئْتُ فَجَلَسْتُ إلَيهِ فَقَالَ يَا أبَا هُرَيرَةَ "أشِكْنِبْ دَرَدْ" قَالَ قُلْتُ لَا يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ صَلِّ فَإنَّ فِي الصَّلَاةِ شِفَاءٌ ". وجُمْلَةُ " أشِكْنِبْ دَرَدْ " كَأنَّهَا نَوعٌ مِن الهَذَيَانِ, يُرِيدُ أبُو هُرَيرَةَ أنْ يَنْسِبَهُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ, فَسَارَعَ بِقَولِهِ " لا " فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ قُمْ فَصَلِّ ( وهُو كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ أنْ يَجْلِسَ إلَيهِ )؛ فَكَأنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ كَانَ يَهْذِي وأبُو هُرَيرَةَ يُصَلِّي كَمَا يَقُولُون!!.
لَو قَالَ أبُو هُرَيرَةَ حَقِيقَةً هَذَا الحَدِيثَ فَإنَّهُ هُو الَّذِي يَهْجُرْ ويَهْذِي ويُهَذْرِبْ لَا النَّبِيُّ المَعْصُومُ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَن الهَوَى. فَالصُّورَةُ عِندَهُم لِلنَّبِيِّ هُو ذَاكَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِي بَعضِ الأحْيَانِ بِكَلَامٍ لَا مَعْنَى لَهُ مِن الهَذَيَانِ والهَذْرَبَةِ. وكَيفَ يَكُونُ بَعدَ هَذَا مَعصُومَاً فِي نَظَرِهِم, ومَا يَنْطِقُ عَن الهَوَى, ويَجِبُ أخْذُ مَا أمَرَ بِهِ وتَرْكُ مَا نَهَى عَنهُ؟ ( إذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلَّا رَجُلَاً مَسْحُورَاً ) ( سُورَةِ الإسْرَاء الآية 47 ) هَكَذَا تُظْهِرُ المَرَاجِعُ النَّبِيَّ فِي صُورَةِ ذَلِكَ الَّذِي يَجلِسُ يَهْذِي بِكَلَامٍ لَا مَعنَى لَهُ, بَينَمَا أحَدُ الأصْحَابِ فِي عَلَاقَةٍ مَعَ اللهِ بِعِبَادَةِ الصَّلَاةِ؛ فَشَتَّانَ بَينَ مَن يَهذِي ويُهَذْرِبْ ومَن هُو وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْ اللهِ يُصَلِّي!! ( أُنْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلَاً ) ( الإسْرَاء الآية 48 ) أهَكَذَا حَالُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ وحَالُ أبِي هُرَيرَة؟؟ إنَّهَا صُورَةٌ لَا تَصِحُّ إلَّا لِلْمُسْتَهْزِئِينَ بِمُقَدَّسَاتِنَا ودِينِنَا!.
إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ أحَالَ الأُمَّةَ الإسْلَامِيَّةَ فِي دِيْنِهَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ والأخْذِ عَنهُ وأوجَبَ طَاعَتَهُ وحَذَّرَ عن مَعصِيَتِهِ وعَلَيهِ يَكُونُ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ هو المَرجِعِيَّةُ كَمَا ذَكَرْنَا. فَإذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَجِبُ إبْعَادُ كُلِّ الأحَادِيثِ الَّتِي تَجعَلُ لِأحَدٍ مِن أُمَّتِهِ مَكَانَةً كَمَكَانَتِهِ أو عِلْمَاً كَعِلْمِهِ أو سُنَّةً كَسُنَّتِهِ. ويَكُونُ مِن سَخَفِ العَقُولِ قُبُولُ تِلكَ الأحَادِيثِ الَّتِي تَجعَلُ لِأحَدٍ مِن أُمَّتِهِ أو أصحَابِهِ مَزِيَّةً عَلَيهِ أو أفْضَلِيَّةَ فِي مَوقِفٍ مِن المَوَاقِفِ, أو أمْرٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ أو هِدَايَةِ الأُمَّةِ إنْ لَم يَكُن هو الكُفْرُ البَوَاحُ. وكُلُّ مَا يَخُصُّ الحَبِيبَ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ يَجِبُ أنْ يُنْظَرَ إلَيهِ بِنَظْرَةِ المُتَعَلَّمِ مِنهُ ويُؤْخَذُ عَنهُ بِأدَبِ التِّلْمِيذِ مِن قِبَلِ كُلِّ فَقِيهٍ وعَالِمٍ ومُحِبٍّ ومِن كُلِّ مُسْلِمٍ. لَا بِنَظْرَةِ النَّاقِدِ فَإنَّ النَّاقِدَ يَرْتَكِزُ عَلَى مَرْجِعِيَّةٍ مِنهَا يَتَكَلَّمُ عَن الحَبِيبِ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ في عِصْمَتِهِ. ولَا تُوجَدُ مَرجِعِيَّةٌ لِأُولَئِكَ إلَّا في البُخَارِيِّ ومُسلِم وغَيرِهِمَا مِن كُتُبِ السُّنَّةِ والتَّفَاسِيرِ, ومِنهَا يَحكُمُونَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ!!.
قَد يَقُولُ قَائِلٌ إذَاً مِن أينَ لِي أنْ أبْحَثَ أو أتَكَلَّمَ عن النَّبِيِّ فِي غَيرِ هَذِهِ المَرَاجِعِ الدِّينِيِّةِ الَّتِي أصْبَحَتْ فِي مَحَلِّ القَدَاسَةِ عِندَ المُسلِمِينَ؟ أقُولُ إنَّ هَذِهِ الكُتُبَ لَهَا الفَضْلُ الكَبِيرُ فِي تَدوِينِ السُّنَّةِ والأحَادِيثِ والتَّارِيخِ, ولَكِنَّهَا لَا تَتَمَتَّعُ بِالعِصْمَةِ لِأنَّ العِصْمَةَ لَا تَكُونُ إلَّا لِلنَّبِيِّ فَلَو أخَذْنَا كُلَّ مَا فِيهَا نَكُونُ بِذَلِكَ أعْطَيْنَاهَا العِصْمَةَ وقَبِلْنَا مِنهَا مَا يَطْعَنُ فِي عِصمَةِ النَّبِيِّ وهُو مَا يُوجَدُ فِيهَا فِي بَعضِ الأحَادِيثِ. قَد يَقُولُ قَائِلٌ وكَيفَ بِي عِلمُ تِلكَ الأحَادِيثِ وانْتِقَائِهَا؟ فَنَقُولُ كُلَّمَا نَجِدُ مِن أحَادِيثٍ تُقَلِّلُ مِن عَظَمَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ الَّذِي هو المَرجِعِيَّةُ او تَجعَلُ لِأحَدٍ غَيرَهُ مَكَانَةً كَمَكَانَتِهِ او تَرفَعُ احَدَاً غَيرَهُ فَوقَهُ فِي مَوقِفٍ مِن المَوَاقِفِ او تُعطِيهِ مَزِيَّةً عَلَيهِ فِي أمْرٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ فَإنَّهُ يَجِبُ اسْتِبْعَادُهَا وإنْكَارُهَا ورَفْضُهَا ونَتَمَسَّكُ بِعُلُوِّ قَدْرِ الحَبِيبِ ومَنْزِلَتِهِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يَعتَقِدَهَا كُلُّ مُسلِمٍ بِأنَّهَا لَا تُطَالُ ولَا تُدْرَكُ لِبَشَرٍ!! فَهوَ فَوقَ كُلِّ الخَلقِ مَنْزِلَةً وعِلْمَاً وقَدْرَاً عِندَ اللهِ وعِندَ كُلِّ مُؤْمِنٍ ومَا أصْحَابُهُ إلَّا حَسَنَةً مِن حَسَنَاتِهِ. نَاهِيكَ عَن أنْ يَكُونَ أحَدَهُم مِثْلَهُ او أفَضَلَ مِنهُ فِي مَوقِفٍ مِن المَوَاقِفِ او أمْرٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ!! وإنَّهُ لَأمْرٌ يَتَأَذَّى مِنهُ مَن يُنسَبُ إلَيهِ ذَلِكَ خَاصَّةً إنْ كَانَ يَعرِفُ قَدْرَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ ومَكَانَتَهُ عِندَ رَبِّهِ او كَانَ حُبُّهُ لَهُ أكْثَرَ مِن نَفْسِهِ!!.
والنَّاقِدُ فِي كُلِّ حَالٍ يَكُونُ فِي مَكَانِ الأُسْتَاذِ والمَرجِعِيَّةِ لَا التِّلْمِيذَ المُتَلَقِّي. فَكُلُّ مُنْتَقِدٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ قَد وَضَعَ نَفسَهُ مَوضِعَ الأُسْتَاذِ فِي الدِّينِ لِيَنْتَقِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ ويَكُونُ قَد وَضَعَ النَّبِيَّ فِي مَكَانِ النَّقْدِ وفِي مَوقِفٍ أقَلَّ مِنهُ ويُمْكِنُهُ أنْ يَتَكَلَّمَ فِيهِ نَاقِدَاً!! ومَن يَضَعْ نَفسَهُ فِي هَذِهِ المَكَانَةِ فَقَدْ بَلَغَ مِن الكِبَرِ بِأنْ وَضَعَ لِنَفْسِهِ مَكَانَةً فَوقَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ وآلِهِ ويَكُونُ قَد خَرَجَ بِذَلِكَ عَن الإسْلَامْ!!.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.