بِمَاذَا كَانَ يَتَدَثَّرُ النَّبَيُّ؟
(من كتاب إتهامات المفسرين لأفضل المرسلين)
يَقُولُ الطَّبَرَيُّ: يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: (يَا أيُّهَا المُدَّثِّرْ) (سُورَةِ المُدَّثِّرْ الآية 1) يَا أيُّهَا المُتَدَثِّرُ بِثِيَابِهِ عِنْدَ نَومِهِ. وذُكِرَ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قِيْلَ لهُ ذَلِكَ, وهُو مُتَدَثِّرٌ بِقَطِيْفَةْ.
* ذَكَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بِنْ المُثَنَّى, قَالَ: ثَنَّا يَحْيَى بِنْ سَعِيْدٍ, عَن شُعْبَةَ, عَنْ المُغِيْرَة, عَنْ إبْرَاهِيْمَ (يَا أيُّهَا المُدَّثِّرْ) قَالَ: كَانَ مُتَدَثِّرَاً فِي قَطِيْفَةْ. وذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِن القُرْآنِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمْ, وأنَّهُ قِيْلَ لَهُ: (يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ).
كَمَا حَدَّثَنَا يُونُس, قَالَ: أخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أخْبَرَنَا يُونُس, عَن ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: أخْبَرَنِي أبُو سَلَمَةْ بِنْ عَبْدِالرَّحْمَن, أنَّ جَابِرَ بِنْ عَبْدِاللهِ الأنْصَارِيُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهُو يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ: "بَيْنَمَا أنَا أمْشِي سَمِعْتُ صَوْتَاً مِن السَّمَاءِ, فَرَفَعْتُ رَأسِيْ, فَإذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِيْ بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ والأرْضِ, قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: "فَجَثَثْتُ مِنْهُ فَرْقَاً, وجِئْتُ أهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِيْ زَمِّلُونِي, فَدَثَّرُونِي"فَأنْزَلَ اللهُ (يَا أيُّهَا المُدَّثِّرْ قُمْ فَأنْذِرْ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ...) إلَى قَولِهِ (والرُّجْزَ فَاهْجُرْ) قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ الوحْيُ".
حَدَّثَنَا ابْنُ المُتَنَبِّي, قَالَ: ثَنَّا الوَلِيْدُ بِنْ مُسْلِمْ, قَالَ: ثَنَّا الأوْزَاعِيُّ, قَالَ: ثَنَّا يَحْيَى بِنْ كَثِيْرْ, قَالَ: سَألْتُ أبَا سَلَمَةْ: أيُّ القُرْآنِ أُنْزِلَ أوَّلْ, فَقَالَ: (يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ) فَقُلْتُ: يَقُولُونَ اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِيْ خَلَقْ, فَقَالَ أبُو سَلَمَةْ: سَألْتُ جَابِرَ بِنْ عَبْدِاللهِ: أيُّ القُرْآنِ أُنْزِلَ أوَّلْ؟ فَقَالَ: (يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ), فَقُلْتُ: يَقُولُونَ اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِيْ خَلَقْ فَقَالَ: لَا أُخْبِرُكَ إلَّا مَا حَدَّثَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ, قَالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءٍ؛ فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِيْ هَبَطْتُّ, فَاسْتَبْطَنْتُ الوَادِيْ, فَنُودِيْتُ, فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِيْنِي وعَنْ شِمَالِي وخَلْفِي وقُدَّامِيْ, فَلَمْ أرَ شَيْئَاً, فَنَظَرْتُ فَوقَ رَأْسِيْ فَإذَا هُو جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ والأرْضِ, فَخَشِيْتُ مِنْهُ, هَكَذَا قَالَ عُثْمَانُ بِنْ عَمْرُو, إنَّمَا هُوَ: فَجَثَثْتُ مِنْهُ, ولَقِيْتُ خَدِيْجَةَ, فَقُلْتُ دَثِّرُونِي, فَدَثَّرُونِي, وصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً, فَأنْزَلَ اللهُ عَلَيَّ (يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ قُمْ فَأنْذِرْ).
حَدَّثَنَا أبُو كُرِيْبْ, قَالَ: ثَنَّا وَكِيْعُ, عَنْ عَلِيٍّ بِنْ مُبَارَكْ, عَنْ يَحْيَى بِنْ أبِيْ كَثِيْرٍ, قَالَ سَألْتُ أبَا سَلَمَةَ عَنْ أوَّلِ مَا نَزَلَ مِن القُرْآنِ, قَالَ: (يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ) أوَّلْ؛ قُلْتُ: إنَّهُمْ يَقُولُونَ اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِيْ خَلَقْ, فَقَالَ: سَألْتُ جَابِرَ بِنْ عَبْدِاللهِ, فَقَالَ: لَا أُحَدِّثُكَ إلَّا مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: "جَاوَرْتُ بِحَرَاءٍ؛ فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِيْ هَبَطْتُّ, فَسَمِعْتُ صَوتَاً, فَنَظَرْتُ عَن يَمِيْنِي فَلَمْ أرَ شَيْئَاً, ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئَاً, فَرَفَعْتُ رَأْسِيْ فَرَأيْتُ شَيْئَاً, فَأتَيْتُ خَدِيْجَةَ, فَقُلْتُ: دَثِّرُونِيْ وصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدَاً, فَنَزَلَتْ(يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ).
حَدَّثَنَا بِنْ عَبْدِ الأعْلَى, قَالَ: ثَنَّا ابْنُ ثَورٍ, عَنْ مُعَمَّرْ, عَنْ الزَّهْرِيِّ, قَالَ: فَتَرَ الوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَتْرَةً, فَحَزِنَ حُزْنَاً, فَجَعَلَ يَعْدُو إلَى شَوَاهِقِ رُؤُوسِ الجِبَالِ لِيَتَرَدَّى مِنْهَا, فَكُلَّمَا أوْفَى بِذَرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيْلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيَقُولُ: إنَّكَ نَبِيُّ اللهِ, فَيَسْكُنُ جَأْشُهُ, وتَسْكُنُ نَفْسُهُ, فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُحَدِّثُ عَنْ ذَلِكُ, قَالَ:"بَيْنَمَا أنَا أمْشِي يَومَاً إذْ رَأيْتُ المَلَكَ الَّذِيْ كَانَ يَأْتِيْنِي بِحِرَاءٍ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ والأرْضِ, فَجَثَثْتُ مِنْهُ رُعْبَاً, فَرَجَعْتُ إلَى خَدِيْجَةَ فَقُلْتُ: "زَمِّلُونِيْ", فَزَمَّلْنَاهُ: أيْ فَدَثَّرْنَاهُ, فَأنْزَلَ اللهُ: (يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ قُمْ فَأنْذِرْ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قَالَ الزَّهْرِيُّ: فَكَانَ أوَّلُ شَيْءٍ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِيْ خَلَقْ... حَتَّى بَلَغَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. واخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيْلِ فِي مَعْنَى قَولِهِ:(يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ), فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: يَا أيُّهَا النَّائِمُ فِي ثِيَابِهِ.
* ذَكَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بِنْ سَعْدٍ, قَالَ: ثَنَّا أُبَيُّ, قَالَ ثَنَّا عَمِّيْ, قَالَ: ثَنَّا أبِي, عَنْ أبِيْهِ, عَنْ ابْنِ عَبَّاسَ, قَولُهُ: (يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ) قَالَ: يَا أيُّهَا النَّائِمُ.
حَدَّثَنَا بِشْرٌ, ثَنَّا يَزِيْدُ, قَالَ: ثَنَّا سَعِيْدُ, عَنْ قَتَادَةٍ, قَوْلُهُ: (يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ) يَقُولُ: المُتَدَثِّرُ فِي ثِيَابِهِ.
وقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: يَا أيُّهَا المُتَدَثِّرُ النُبُوَّةَ وأثْقَالَهَا.
* ذَكَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ المُثَنَّى, قَالَ: ثَنَّا عَبْدُ الأعْلَى, قَالَ: وسُئِلَ دَاؤودُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ (يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ) فَحَدَّثَنَا عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَالَ: دَثَّرْتَ هَذَا الأمْرَ فَقُمْ بِهِ.
يَقُولُ الطَّبَرِيُّ مَعْنَى (يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ) يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ بِثِيَابِهِ عِنْدَ نَوْمِهِ. وذَكَرَ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيْهِ ووَالِدَيْهِ وآلِهِ قِيْلَ لَهُ ذَلِكَ وهُوَ مُتَدَثِّرٌ بِقَطِيْفَةْ. فَجَزَمَ الطَّبَرِيُّ بِنَومِهِ عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ عَلَيْهِ.
ويَجِيْءُ حَدِيْثُ يُونُسَ الَّذِي يَنْسِبُهُ إلَى جَابِرِ بِنْ عَبْدِاللهِ الأنْصَارِيُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهُو يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ: "بَيْنَمَا أنَا أمْشِي سَمِعْتُ صَوْتَاً مِنْ السَّمَاءِ, فَرَفَعْتُ رَأْسِي, فَإذَا المَلَكُ الَّذِيْ جَاءَنِي بِحَرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ والأرْضِ, قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ":فَجَثَثْتُ مِنْهُ فَرْقَاً, وجِئْتُ أهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي, فَدَثَّرُونِي" فَأنْزَلَ اللهُ (يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ قُمْ فَأنْذِرْ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ..) وهَذَا يَعْنِي أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَائِمَاً كَمَا قَالُوا وفِي قَطِيْفَةْ!.
ويُلَاحَظُ فِي الحَدِيْثِ "فَجَثَثْتُ مِنْهُ فَرْقَاً" وهَذَا يَتَنَافَى مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى (...إنِّيْ لَا يَخَافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونْ) (سُورَةِ النَّمْلِ الآية 10) كَمَا أنَّهُ يُثْبِتُ عَلَاقَةً سَابِقَةً بَيْنَ النَّبِيِّ والمَلَكِ فِي حِرَاءٍ "فَرَفَعْتُ رَأْسِي, فَإذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ والأرْضِ" وهَذِهِ كَفِيْلَةٌ بِإبْعَادِ الخَوْفِ.
أمَّا حَدِيْثُ ابْنُ المُثَنَّى الَّذِي يَصِلُهُ إلَى أبِي سَلَمَة ثُمَّ إلَى جَابِرٍ جَاءَ فِيْهِ أنَّ أوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْ القُرْآنِ (يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ) ولَيْسَ (اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِيْ خَلَقْ) (سُورَةِ العَلَقْ الآية 1). ويَرْوِي عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيْهِ ووَالِدَيْهِ وآلِهِ أنَّهُ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ حِرَاءٍ سَمِعَ نِدَاءً فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ فَرَأى المَلَك الَّذِي كَانَ يَأْتِيْهِ فِي حِرَاءٍ فَقَالَ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيْهِ ووَالِدَيْهِ وآلِهِ "فَجَثَثْتُ مِنْهُ فَرْقَاً" ولَقِيْتُ خَدِيْجَةَ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي فَدَثَّرُونِي وصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً فَأنْزَلَ اللهُ عَلَيَّ (يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ قُمْ فَأنْذِرْ). فَهَذَا الحَدِيْثُ لَا يَتَحَدَّثُ عَنْ نَومِ النَّبِيِّ فِي قَطِيْفَةٍ كَمَا ذَكَرَ فِي أوَّلِ هَذَا التَّفْسِيْرِ بَلْ عِنْدَ رُجُوعِهِ مِنْ حِرَاءٍ فِي الطَّرِيْقِ ويَتَحَدَّثُ عَنْ خَوفِ النَّبِيِّ عِنْدَ رُؤْيَةِ الوَحْيِ بَيْنَمَا اللهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ (...إنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونْ). وإذَا كَانَ الوَحْيُ الَّذِيْ يَذْكُرُونَ أنَّهُ خَافَ مِنْهُ هُو الَّذِيْ كَانَ يَأْتِيْهِ فِي حِرَاءٍ فَكَيْفَ يَخَافُ مِمَّنْ اعْتَادَ عَلَيْهِ؟ ثُمَّ يُشَكِّكُ الحَدِيْثُ فِي مَا أُنْزِلَ أوَّلَاً مِنْ القُرْآنِ هَلْ هُو سُورَةُ اقْرَأ أمْ سُورَةُ المُدَّثَّرْ!!!.
وحَدِيْثُ بِنْ عَبْدِ الأعْلَى عَنْ ابْنِ ثَورٍ عَن الزَّهْرِيِّ يُضِيْفُ إلَى مَا قَبْلِهِ مُحَاوَلَةَ النَّبِيِّ لِلْانْتِحَارِ فَيَنْسُبُ الحَدِيْثُ إلَى الزَّهْرِيِّ قَوْلَهُ: (فَتَرَ الوَحْيُ عَن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَتْرَةً, فَحَزِنَ حُزْنَاً, فَجَعَلَ يَعْدُو إلَى شَوَاهِقِ رُؤُوسِ الجِبَالِ لِيَتَرَدَّى مِنْهَا, فَكُلَّمَا أوْفَى بِذَرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيْلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيَقُولُ: إنَّكَ نَبِيُّ اللهِ, فَيَسْكُنُ جَأْشُهُ, وتَسْكُنُ نَفْسُهُ).
فَمَن الَّذِي كَانَ يُرَاقِبُ النَّبِيَّ وهُو يَعْدُو إلَى شَوَاهِقِ الجِبَالِ لِيَتَرَدَّى مِنْهَا؟ ومَنْ الَّذِيْ سَمِعَ جِبْرِيْلَ يَقُولُ لِلْنَّبِيِّ (إنَّكَ نَبِيُّ اللهِ)؟؟!! هَلْ نَسَبَ الزَّهْرِيُّ الحَدِيْثَ لِلْنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيْهِ ووَالِدَيْهِ وآلِهِ؟ لَا يَبْدُو ذَلِكْ وإلَّا لَكَانَ يَذْكُرُ كَلِمَاتِ النَّبِيِّ نَفْسِهَا ولَكِنْ تَأْتِي جُمْلَةٌ يَقُولُ فِيْهَا: فَكَانَ النَّبِيُّ يُحَدِّثُ عَنْ ذَلِكْ. فَيَظُنُّ السَّامِعُ أنَّ مَا ذَكَرَهُ آنِفَاً هُو مِن كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيْهِ ووَالِدَيْهِ وآلِهِ ثُمَّ قَالَ: (وهُنَا يَذْكُرُ مَا نَسَبَهُ لِلْنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيْهِ ووَالِدَيْهِ وآلِهِ ولَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيْهِ ووَالِدَيْهِ وآلِهِ). قَالَ"بَيْنَمَا أنَا أمْشِي يَوْمَاً إذْ رَأيْتُ المَلَكَ الَّذِيْ كَانَ يَأْتِيْنِي بِحِرَاءٍ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ والأرْضِ, فَجَثَثْتُ مِنْهُ رُعْبَاً, فَرَجَعْتُ إلَى خَدِيْجَةَ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي فَزَمَّلْنَاهُ أيْ فَدَثَّرْنَاهُ, فَأنْزَلَ اللهُ (يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ قُمْ فَأنْذِرْ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ). قَالَ الزَّهْرِيُّ: فَكَانَ أوَّلُ شَيْءٍ أُنْزِلَ عَلَيْهِ :"اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقْ حَتَّى بَلَغَ مَا لَمْ يَعْلَمْ". وهَذِهِ أغْرَبُ نِهَايَةٍ لِلْحَدِيْثِ إذْ يَتَحَدَّثُ عَنْ المُدَّثِّرِ ثُمَّ يَقُولُ أوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْ القُرْآنِ هُو اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِيْ خَلَقْ!!! وفِيْ الحَدِيْثِ كَذَلِكَ يَحْكِي الزَّهْرِيُّ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيْهِ ووَالِدَيْهِ وآلِهِ "فَرَجَعْتُ إلَى خَدِيْجَةَ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِيْ زَمِّلُونِي" قَالَ فَزَمَّلْنَاهُ أيْ فَدَثَّرْنَاهُ!! فَكَانَ الأحْرَى أنْ يَقُولَ (فَزَمَّلَتْهُ أو فَزَمَّلَتْنِي) ولَكِنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مَع خَدِيْجَةَ رَضْيَ اللهُ عَنْهَا حَيْثُ قَالَ (فَزَمَّلْنَاهُ أيْ فَدَثَّرْنَاهُ) فَأنْزَلَ اللهُ (يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ قُمْ فَأنْذِرْ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) فَكَانَ أوَّلُ شَيْءٍ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِيْ خَلَقْ!! ولَا أدْرِي مَا السَّبَبُ فِي ذِكْرِ سُورَةِ اقْرَأ هُنَا!! هَلْ هِيَ لِلْتَّشْكِيْكْ؟
ومَا يَجُرُّهُ هَذَا التَّفْسِيْرُ وهَذِهِ الأحَادِيْثُ مِنْ مَسَاوِئٍ:
1/ أنَّ النَّبِيَّ بَدَأهُ الوَحْيُ وهُو نَائمٌ فِي قَطِيْفَةٍ ولَيْسَ فِي حِجَارَةِ غَارِ حِرَاءْ
2/ أنَّ النَّبِيَّ بَدَأهُ الوَحْيُ وهُو يَمْشِي فِي الوَادِي فَلَا يُعْرَفُ أيُّهُمَا أصَحُّ!
3/ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيْهِ ووَالِدَيْهِ وآلِهِ خَافَ مِن الوَحْيِ بَيْنَمَا هُو يَمْشِي فِي الوَادِيْ ولَمْ يَخَفْ مِنْهُ فِي غَارِ حِرَاءْ!!
4/ إثْبَاتُ الخَوْفِ لِلْنَّبِيِّ رُغْمَ قَولِ اللهِ تَعَالَى (...إنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونْ) فَإنَّ مَن يَخَافُ لَيْسَ مُرْسَلَاً. وهَذَا تَشْكِيْكٌ فِي الرِّسَالَةِ!
5/ أنَّ النَّبِيَّ حَاوَلَ الانْتِحَارَ مِرَارَاً!!
6/ التَّشْكِيْكُ فِي مَا أُنْزِلَ أوَّلَاً مِن القُرْآنِ عَلَى النَّبِيِّ بَيْنَمَا الأمْرُ هُو تَفْسِيْرُهُمْ لِكَلِمَةِ المُدَّثِّرْ فَذَكَرُوا أنَّهُ نَائِمٌ فِي قَطِيْفَةٍ وأبْطَلُوهُ بِمَا ذَكَرُوا مِن أحَادِيْثٍ تُوَضِّحُ خِلَافَ ذَلِكْ!!
وقَالَ آخَرُونْ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكْ: يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ وأثْقَالَهَا.
والأقْرَبُ إلَى الصِّحَّةِ هُو مَا قَالَهُ الآخَرُونَ غَيْرَ المَعْرُوفِيْنْ.
عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَالَ: دَثَّرْتَ هَذَا الأمْرَ فَقُمْ بِهِ. لَكِنْ مَنْ الَّذِي قَالَ ذَلِكْ؟!!.
والقُرْآنُ يُوَضِّحُ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى لِلْنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيْهِ ووَالِدَيْهِ وآلِهِ: (يَا أيُّهَا المُدَّثِّرْ) قَالَ لَهُ (قُمْ فَأنْذِرْ). والمَعْلُومُ أنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيْهِ ووَالِدَيْهِ وآلِهِ ويُصَلِّيْ عَلَيْهِ هُو ومَلَائِكَتَهُ ومَدَحَهُ بِعَظِيْمِ الأخْلَاقِ. وعِنْدَمَا تَبْلُغُ الأخْلَاقُ مِن العَظَمَةِ بِحَيْثُ يَمْدَحُ اللهُ بِهَا مَنْ تَدَثَّرَ بِهَا يَكُونُ الإنْذَارُ ثَقِيْلَاً مِنْ صَاحِبِ تِلْكَ الأخْلَاقِ العَظِيْمَةِ. والتَّبْشِيْرُ هُو الَّذِي يَكُونُ الأنْسَبَ لَهُ لِأنَّهُ الرَّحْمَةُ الَّتِي كَتَبَهَا اللهُ عَلَى نَفْسِهِ؛ فَلَا يَمِيْلُ إلَى الإنْذَارِ إلَّا إذَا كُلِّفَ بِهِ. فَنَادَاهُ مَنْ يُحِبُّهُ وأرْسَلَهُ جَلَّ وعَلَا بِمَا مَدَحَهُ بِهِ وهِيَ الأخْلَاقُ العَظِيْمَةُ المُتَدَثِّرُ بِهَا (يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ) بِهَذِهِ الأخْلَاقِ (قُمْ فَأنْذِرْ) لِتَكُونَ بَشِيْرَاً ونَذِيْرَاً فَمِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يُنَاسِبُ طَبْعُهُ التَّبْشِيْرَ لِغِلْظَةٍ وتَكَبُّرٍ فِيْهِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ إنْذَارِهِ لِتَقْوِيْمِ أخْلَاقِهِ مِنْ التَّكَبُّرِ, فَيُذَكِّرُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيهِ ووَالِدَيْهِ وآلِهِ بِأنَّ اللهَ أكبَرُ (ورَبَّكَ فَكَبِّرْ) لِأنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيْهِ ووَالِدَيْهِ وآلِهِ مُذَكِّرٌ ولَيْسَ بِمُسَيْطِرٍ.
يَقُولُ الطَّبَرِيُّ: (وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) اخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيْلِ فِي تَأْوِيْلِ ذَلِكَ, فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَا تَلْبَسْ ثِيَابَكَ عَلَى مَعْصِيَةٍ, ولَا عَلَى غَدْرَةْ.
حَدَّثَنَا أبُو كُرِيْبْ: قَالَ: ثَنَّا مُصْعَبُ بِنْ سَلَامْ, عَنْ الأجْلَحِ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: أتَاهُ رَجُلٌ وأنَا جَالِسٌ فَقَالَ: أرَأيْتَ قَولَ اللهِ :(وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قَالَ: لَا تَلْبَسْهَا عَلَى مَعْصِيَةٍ ولَا عَلَى غَدْرَةٍ.
حَدَّثَنَا سَعِيْدُ بِنْ يَحْيَى, قَالَ: ثَنَّا حَفْصُ بِنْ غِيَاثٍ, عَنْ الأجْلَحِ, عَنْ عِكْرِمَةَ, قَولَهُ: (وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قَالَ: لَا تَلْبَسْهَا عَلَى غَدْرَةٍ, ولَا عَلَى فَجْرَةٍ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حَمِيْد, قَالَ: ثَنَّا مَهْرَانُ, قَالَ: ثَنَّا سُفْيَانُ, عَنْ الأجْلَحِ بِنْ عَبْدِاللهِ الكِنْدِيِّ, عَنْ عِكْرِمَةَ (وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قَالَ: لَا تَلْبَسْ ثِيَابَكَ عَلَى مَعْصِيَةْ.
حَدَّثَنَا أبُو كُرِيْبْ, قَالَ: ثَنَّ يَحْيَى بِنْ سَعِيْدْ, عَنْ بِنْ جَرِيْحْ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ ابْنِ عَبَّاسْ (وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قَالَ: مِنْ الذُّنُوبِ.
وقَالَ آخَرُونْ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: لَا تَلْبَسْ ثِيَابَكَ مِنْ مَكْسَبٍ غَيْرِ طَيِّبٍ.
ذَكَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكْ:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بِنْ سَعْدٍ, قَالَ: ثَنَّا أُبَيُّ, قَالَ: ثَنَّا عَمِّيْ, قَالَ: ثَنَّا أَبِيْ, عَنْ أبِيْهِ, عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قَالَ: لَا تَكُنْ ثِيَابُكُ الَّتِي تَلْبَسُ مِن مَكْسَبٍ غَيْرِ طَائِبٍ, ويُقَالُ: لَا تَلْبَسْ ثِيَابَكَ عَلَى مَعْصِيَةٍ.
وقَالَ آخَرُونْ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أصْلِحْ عَمَلَكْ.
ذَكَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكْ:
حَدَّثَنِي يَحْيَى بِنْ طَلْعَةَ اليَرْبُوعِيُّ, قَالَ: ثَنَّا فَضِيْلِ بِنْ عِيَّاضْ, عَنْ مَنْصُورْ, عَنْ مُجَاهِد, فِي قَولِهِ: (وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قَالَ: عَمَلَكَ فَأصْلِحْ.
وقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بِنْ عَمْرُو, قَالَ: ثَنَّا أبُو عَاصِم, قَالَ: ثَنَّا عِيْسَى؛ وحَدَّثَنِي الحَارِثُ قَالَ: ثَنَّا الحَسَنُ, قَالَ: ثَنَّا وَرْقَاءُ, جَمِيْعَاً عَنْ ابْنِ أبِي نَجِيْحْ, عَنْ مُجَاهِد, قَوْلَهُ: (وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قَالْ: لَسْتَ بِكَاهِنٍ ولَا سَاحِرٍ, فَاعْرِضْ عَمَّا قَالُوا.
وقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: اغْسِلْهَا بِالْمَاءِ, وطَهِّرْهَا مِن النَّجَاسَةِ.
ذَكَرَ مَن قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بِنْ أبِي طَالِبٍ, قَالَ ثَنَّا عَلِيُّ بِنْ عَبْدِاللهِ بِنْ جَعْفَرَ, عَنْ أحْمَدٍ بِنْ أبِي مُوسَى بِنْ أبِي مَرْيَمَ صَاحِبَ اللُّؤْلُؤْ, قَالَ: أخْبَرَنَا ابْنُ عَونٍ, عَنْ مُحَمَّدٍ بِنْ سِيْرِينْ (وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قَالَ: اغْسِلْهَا بِالْمَاءِ.
حَدَّثَنِي يُونُسَ, قَالَ: أخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ, فِي قَولِهِ: (وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قَالَ: كَانَ المُشْرِكُونَ لَا يَتَطَهَّرُونَ, فَأمَرَهُ أنْ يَتَطَهَّرَ, ويُطَهِّرَ ثِيَابَهُ.
يَقُولُ الطَّبَرَيُّ: وهَذَا القَولُ الَّذِيْ قَالَهُ ابْنُ سِيْرِيْنَ وابْنُ زَيْدٍ فِي ذَلِكَ أظْهَرُ مَعَانِيْهِ, والَّذِيْ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ, وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَكَرِيَّا قَولٌ عَلَيْهِ أكْثَرُ السَّلَفِ مِنْ أنَّهُ عُنِيَ بِهِ: جِسْمَكَ فَطَهِّرْ مِنْ الذُّنُوبِ, واللهُ أعْلَمُ بِمُرَادِهِ مِنْ ذَلِكْ.
يُشِيْرُ التَّفْسِيْرُ ومَا جَاءَ فِي الأحَادِيْثِ الَّتِي أشَارَ إلَيْهَا أنَّ المَقْصُودَ مِنْ (وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) هُو اغْسِلْهَا بِالْمَاءِ وهُو الَّذِي قَالَهُ ابْنُ سِيْرِيْنَ وابْنُ زَيْدٍ كَمَا ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ ويُشِيْرُ إلَى أنَّ ذَلِكَ مِن أظْهَرِ مَعَانِيْهِ. والَّذِيْ عَلَيْهِ السَّلَفُ عُنِيَ بِهِ: جِسْمَكَ فَطَهِّرْ مِنْ الذًّنُوبِ؛ وهُو الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَكَرِيَّا.
إنَّهُمْ يَتَحَدَّثُونَ عَن النَّبِيِّ كَشَخْصٍ عَادِيٍّ لَا كَرَسُولٍ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلْ. فَهُو فِي نَظَرِهِمْ رَجُلٌ لَا يُحْسِنُ نَظَافَةَ ثِيَابِهِ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى أنْ يُنَبِّهَهُ إلَيْهَا اللهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى بِوَحْيٍ!! وعِنْدَ بَعْضِهِمْ رَجُلٌ غَيْرُ طَاهِرِ الجِّسْمِ مِن الذُّنُوبِ والآثَامِ فَيُخَاطِبُهُ اللهُ بِوَحْيٍ مِنْ السَّمَاءِ لِيُطَهِّرَ جِسْمَهُ مِن الذُّنُوبِ!!
إنَّهُم يَتَحَدَّثُونَ عَمَّنْ اخْتَارَهُ اللهُ خَاتِمَاً لِلْأنْبِيَاءِ والمُرْسَلِيْنْ, مَنْ أخَذَ اللهُ العَهْدَ والمِيْثَاقَ عَلَى الأنْبِيَاءِ لِلْإيْمَانِ بِهِ, مَن مَدَحَهُ بِحُسْنِ الخُلُقْ, ومَنْ يُصَلِّيْ عَلَيْهِ هُو ومَلَائِكَتَهُ, مَنْ كَانَ نَبِيَّاً وآدَمُ مُنْجَدِلٌ فِي طِيْنَتِهِ, مَنْ كَانَ يُؤْخَذُ مِن عَرَقِهِ لِتَحْسِيْنِ الطُّيُوبِ, ومَنْ تَجَلَّى المُصَوِّرُ فِي بَدِيْعِ إكْمَالِ خَلْقِهِ ظَاهِرَاً وبَاطِنَاً وجَعَلَهُ الأسْوَةَ الحَسَنَةَ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ, يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولٍ أتَاهُ الوَحْيُ وكَانَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ حَجَرٌ بِمَكَةَ قَبْلَ نُزُولِ الوَحْيِ فَيَقُولُونَ أنَّهُ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى تَنْظِيْفِ ثَوبِهِ بِالمَاءِ وتَطْهِيْرِ جِسْمِهِ بِالْإقْلَاعِ عَنْ الذُّنُوبِ!! وأنَّ الوَحْيَ والرِّسَالَةَ بَدَأتْ بِهِ لِيُنَظِّفَ ثِيَابَهُ المُتَّسِخَةَ ويُطَهِّرَ نَفْسَهُ مِنْ الذُّنُوبِ والآثًامِ!!!
لَا أرَى ذَلِكَ إلَّا جُنُوحَاً عَن الحَقِّ وتَنَكُّبَاً لِلْطَّرِيْقِ وجَهْلٌ بِكِتَابِ اللهِ الَّذِي لَمْ يَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ. فَاللهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ (...ولِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ...) (سُورَةِ الأعْرَافْ الآية 26) فَالتَّقْوَى هِي أفْضَلُ المَلْبُوسِ وهِي دِثَارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيْهِ ووَالِدَيْهِ وآلِهِ وهُو الرَّحْمَةُ المُمْدُوحُ بِالْأخْلَاقِ العَظِيْمَةِ فَكَانَ كَمَا ذَكَرْنَا يَمِيْلُ طَبْعُهُ إلَى التَّبْشِيْرِ لَا إلَى الإنْذَارِ فَطُلِبَ مِنْهُ إضَافَةَ الإنْذَارِ إلَى التَّبْشِيْرِ لِيَكْسُوَ الجَمَالَ التَّبْشِيْرِيَّ شَيْئَاً مِنْ الجَلَالِ الإلَهِيِّ بِالْإنْذَارِ, فَخُوطِبَ بِمُجْمَلِ صِفَاتِهِ الَّتِي اكْتَسَى بِهَا مِنْ الرَّحْمَةِ وعَظَمَةِ الأخْلَاقِ ولِيْنِ القَلْبِ بِ (يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ) لِيُضِيْفَ الإنْذَارَ إلَى صِفَاتِهِ (قُمْ فَأنْذِرْ) لِأنَّ هُنَاكَ مَنْ يَحْتَاجُ طَبْعُهُ إلَى الإنْذَارِ لِقَسَاوَةٍ فِيْهِ, (ورَبَّكَ فَكَبِّرْ) لِيَرْتَدِعَ مَنْ فِي طَبْعِهِ تَكَبُّرٌ وغِلْظَةٌ (وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) فَمَلْبَسُكَ مِن التَّقْوَى وهُو الرَّحْمَةُ وعَظَمَةُ الأخْلَاقِ يَحْتَاجُ أنْ تَكْسُوهُ مِمَّا يَحْتَاجُهُ البَعْضُ مِن المُخَاطَبَةِ بِالْإنْذَارِ, فَعَلَيْكَ أنْ تَكْسُوَ هَذَا الجَمَالَ المُحَمَّدِيَّ شَيْئَاً مِن الجَلَالِ الإلَهِيِّ لِيَكُونَ لِبَاسُ التَّقْوَى فِي مَظْهَرِهِ الأتَمْ فَكَانَ بَشِيْرَاً ونَذِيْرَاً. تَعَالَى اللهُ أنْ يُرْسِلَ رَسُولَاً كَمَا يَقُولُونَ لَمْ يَكُنْ يُحْسِنُ تَنْظِيْفَ مَلَابِسِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ, ولَمْ يَكُنْ جِسْمُهُ طَاهِرَاً مِنْ الذُّنُوبِ وكَانَ يَنَامُ فِي القَطِيْفَة!!!
إنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَصِفُ عِبَادَهُ الصَّالِحِيْنَ بِقَولِهِ (كَانُوا قَلِيْلَاً مِن الْلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونْ) (سُورَةِ الذَّارِيَاتِ الآية 17) فَكَيْفَ يَكُونُ خَاتَمُ المُرْسَلِيْنْ؟ لَقَدْ شَهِدَ اللهُ لَهُ بِأنَّهُ يَقُومُ (...أدْنَى مِنْ ثُلَثَيِّ الْلَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلَثَهُ...) (سُورَةِ المُزَّمِّلْ الآية 20) فَكَيْفَ يَأْتِيْهِ الوَحْيُ وهُو نَائِم؟ لِأنَّهُمْ يَقُولُونَ إنْ كَانَ صَاحِيَاً فَإنَّهُ يَقْضِي الْلَّيْلَ طَائِفَاً عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ!! ثُمَّ يَقُولُونَ إنَّهُ كَانَ يَنَامُ عَن صَلَاةِ الفَجْرِ حَتَّى يَأْتِيْهِ بِلَالُ لِيَصْرُخَ عِنْدَ بَابِهِ بِ "الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ" لِيُذَكِّرَهُ بِأدَاءِ رِسَالَتِهِ!!! ثُمَّ مَاذَا كَانَ يَرْجُو مِن اخْتِلَائِهِ فِي غَارِ حِرَاءْ؟ ألَمْ يَكُنْ الحَقُّ مَطْلَبَهُ؟ فَكَيْفَ يَخَافُ مِمَّنْ كَانَ يَرْجُو؟ وهُو القَائِلُ "كُنْتُ نَبِيَّاً وآدَمُ مُنْجَدِلٌ فِي طِيْنَتِهِ" (مُسْنَد أحْمَدْ) وقَبْلَ نُزُولِ الوَحْيِ كَانَتْ حِجَارَةٌ فِي غَارِ حِرَاءٍ هِي دَثَارُهُ وهُو الَّذِي كَانَ يَعْلَمُ أنَّ حَجَرَاً بِمَكَةَ كَانَ يَرُدُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ!!! أيُرِيْدُونَ أنْ يَقُولُوا فِي تَفْسِيْرِهِمْ أنَّ اخْتِلَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ وبَارَكَ عَلَيْهِ ووَالِدَيْهِ وآلِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامَاً فِي حِرَاءَ يَعْبُدُ اللهَ لَمْ يَجْنِ مِنْهَا سِوَى اتِّسَاخِ ثِيَابِهِ وامْتَلَاءِ جِسْمِهِ الشَّرِيْفِ بِالذُّنُوبِ لِيَنْزِلَ الوَحْيُ عَلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِتَطْهِيْرِ جِسْمِهِ مِنْ الذُّنُوبِ وثِيَابِهِ مِنْ الأوْسَاخِ؟!.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.